ابن رشد

87

تهافت التهافت

في الوجود ، كما ليس يلزم في استمرار ذاته فيما مضى أن يكون قد دخل في الوجود ، وهذا كله بيّن كما ترى . وبهذا الموجود الأول يمكن أن توجد أفعال لم تزل ولا تزال ولو امتنع ذلك في الفعل لامتنع في الوجود إذ كل موجود ففعله مقارن له في الوجود ، فهؤلاء القوم جعلوا امتناع الفعل عليه أزليا ووجوده أزليا وذلك غاية الخطأ . لكن إطلاق اسم الحدوث على العالم كما أطلقه الشرع أخص به من إطلاق الأشعرية لأن الفعل بما هو فعل فهو محدث وإنما يتصور القدم فيه لأن هذا الإحداث والفعل المحدث ليس له أول ولا آخر . قلت : ولذلك عسر على أهل الإسلام أن يسمى العالم قديما واللّه قديم وهم لا يفهمون من القديم إلا ما لا علة له وقد رأيت بعض علماء الإسلام قد مال إلى هذا الرأي . قال أبو حامد : وأما مسلكهم الرابع فهو محال لأنهم يقولون إذا عدم العالم بقي إمكان وجوده ، إذ الممكن لا ينقلب مستحيلا وهو وصف إضافي فيفتقر كل حادث يزعمهم إلى مادة سابقة ، وكل منعدم فيفتقر إلى مادة ينعدم عنها فالمواد والأصول لا تنعدم وإنما تنعدم الصور والأغراض الحالية فيها . قلت : أما إذا وضع تعاقب الصور دورا على موضوع واحد ، ووضع أن الفاعل لهذا التعاقب فاعل لم يزل ، فليس يلزم عن وضع ذلك محال ، وأما إن وضع هذا التعاقب على مواد لا نهاية لها أو صور لا نهاية لها في النوع فهو محال ، وكذلك إن وضع ذلك من غير فاعل أزلي أو من فاعل غير أزلي لأنه إن كانت هنالك مواد لا نهاية لها وجد ما لا نهاية له بالفعل ، وذلك مستحيل ، وأبعد من ذلك أن يكون هذا التعاقب عن فاعلات محدثة ولذلك لا يصح على هذه الجهة أن إنسانا يكون ولا بد عن إنسان إن لم يوضع ذلك متعاقبا على مادة واحدة حتى يكون فساد بعض الناس المتقدمين مادة للمتأخرين ، ووجود بعض المتقدمين أيضا يجري مجرى الفاعل والآلة المتأخرين ، وذلك كله بالعرض لأن كون هؤلاء كالآلة للفاعل الذي لم يزل يكون إنسانا بوساطة إنسان ومن مادة إنسان . وهذا كله إذا لم يفصل هذا التفصيل لم ينفك الناظر في هذه الأشياء من شكوك لا مخلص له منها فلعل اللّه أن يجعلك وإيانا ممن بلغ درجة العلماء الذين بلغوا منتهى الحقيقة في الجائز من أفعاله والواجب التي لا تتناهى ، وكل ما قلته من هذا كله فليس يبين هاهنا ويجب أن يفحص عنه بعناية على الشروط التي